يحيي بن حمزة العلوي اليمني
69
الطراز لأسرار البلاغة وعلوم حقائق الإعجاز
فالطرف الأعلى منه يقع التناسب فيه بحيث لا يمكن أن يزاد عليه ، وعند هذا تكون تلك الصورة وذلك النظام في الكلام في الطبقة العليا من الحسن والإعجاب ، والطرف الأسفل أن يحصل هناك من التناسب قدر بحيث لو انتقص منه شيء لم تحصل تلك الصورة ، ثم بين الطرفين مراتب مختلفة متفاوتة جدا . فإذا عرفت هذا فنقول أما الطرف الأسفل فهل يعد من البلاغة أم لا ؟ فيه تردد ، والحق أنه معدود منها ؛ لأنا قد قلنا : إنه طرف لها وما كان طرفا للشيء فهو منه وبعض له ، وزعم ابن الخطيب أنه ليس من البلاغة في شيء ، ولا يكون معدودا منها ؛ لأن منزلة البلاغة أعلى وأشرف من أن يقال : إنه ليس بين هذا الكلام وبين خروجه عن حد البلاغة إلا أن ينقص منه شيء ، فما هذا حاله من الكلام لا يعد من البلاغة أصلا ، وأما سائر المراتب فإنها مع تفاوتها في منازلها فهي معدودة من فن البلاغة خلا أنّ بعضها أبلغ من بعض ، فالأعلى أبلغ مما تحته من المراتب . وأما الطرف الأعلى وما يقرب منه فهو المعجز ، لأنه ليس فوقه رتبة ، لأنه قد بلغ الغاية في الفصاحة والبلاغة الحاصلين من جهة مفردات الحروف تارة ، ومن جهة تركيبها أخرى . المبحث الثالث في حكم البلاغة اعلم أنه لا خلاف بين أهل التحقيق من علماء البيان أن الكلام لا يوصف بكونه بليغا إلا إذا حاز مع جزالة المعنى فصاحة الألفاظ ، ولا يكون بليغا إلا بمجموع الأمرين كليهما فقد صارت البلاغة وصفا عارضا للألفاظ والمعاني كما ترى . وأما الفصاحة فهل تكون من عوارض الألفاظ ، أو تكون من عوارض المعاني ، أو لمجموعهما ؟ فيه مذاهب أربعة : أولها : أنها من عوارض الألفاظ مجردة لا باعتبار دلالتها على المعاني ، وهذا هو الذي يشير إليه كلام ابن الأثير في كتابه المثل السائر فإنه قال : إنّ الفصاحة مدركة بالسمع ، وليس يدرك بحاسة السمع إلا اللفظ ، فلهذا كانت مقصورة عليه . وثانيها : أن الفصاحة من عوارض المعاني دون الألفاظ وهذا هو الذي يرمز إليه ابن الخطيب الرازي في كتابه نهاية الإيجاز ، فإنه زعم أن الفصاحة عبارة عن الدلالات المعنوية